ابراهيم بن محمد البيهقي

368

المحاسن والمساوئ

محاسن العفو قيل : أخذ مصعب بن الزبير رجلا من أصحاب المختار بن أبي عبيد فأمر بضرب عنقه فقال : أيّها الأمير ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة فأتعلّق بأطرافك وأقول : يا ربّ سلّ مصعبا قيم قتلني . فقال : أطلقوه . فقال : أيّها الأمير اجعل ما وهبت لي من عمري في خفض . فقال : اعطوه مائة ألف درهم . قال : بأبي أنت وأمّي أشهدك أنّ لابن قيس الرقيّات منها النصف لقوله : إنّما مصعب شهاب من اللّ * ه تجلّت عن وجهه الظّلماء فضحك مصعب وقال : لقد تلطّفت وإنّ فيك لموضعا للصنيعة ! وأمر له بالمائة الألف ولابن قيس بخمسين ألف درهم . وذكر عن أبي العبّاس السفّاح أنّه غضب على رجل فذكره في ليلة من الليالي فقال له بعض جلسائه : يا أمير المؤمنين إنّ فلانا لو رآه أعدى خلق اللّه له لرحمه وأنغض قلبه له . قال : ولم ذلك ؟ قال : بغضب أمير المؤمنين عليه . قال : ما له من الذنب ما تبلغ به العقوبة هذا المبلغ ! قال : منّ عليه يا أمير المؤمنين برضاك . قال : ما هذا وقت ذاك . قال : يا أمير المؤمنين إنّك لمّا صغّرت ذنبه طمعت له في رضاك . فقال : إنّه من لم يكن بين غضبه ورضاه فرجة لم يحسن أن يغضب ولا يرضى ، وعلى هذا أخلاق الملوك . قيل : وحضر صالح المرّيّ مجلس المنصور وعنده نفر من أهل بيته وقد ولي سعيد بن دعلج أحداث البصرة فدعا بنفر من أهل الجنايات ليعاقبهم ، فلمّا أتي بهم تحرّك صالح ليقوم فقال له رجل ممّن حضر : أين تقوم ؟ واللّه ما أحتاج إلى جلوسك عنده إلّا الساعة . فقال : صدقت . وقال : يا أمير المؤمنين إنّ اللّه جلّ وعزّ يقول في كتابه : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ آل عمران : 134 ] . فبكى المنصور حتى اخضلت لحيته بالدموع وأمر بتخليتهم . قيل : وأتي المنصور بجان فأمر فيه بعقوبة غليظة . فقال له العبّاس بن محمّد : يا أمير المؤمنين إنّك غضبت للّه جلّ ذكره فلا تغضب له بأكثر ممّا غضب لنفسه ، وقد تبيّن لك ما يجب على مثله من الحدّ . فأمر بإطلاقه . قال : وحدّثنا المدائني قال : كان سهل بن سعد القشيّري خرج مع محمّد وإبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن على المنصور ، فقال المنصور : هذا كان عندنا من الفقهاء والعلماء فكيف خرج علينا ؟ ثمّ قال له المنصور : واللّه لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحدا ! فقال : يا أمير المؤمنين أن